علي بن يوسف القفطي

90

إنباه الرواة على أنباه النحاة

وقد شهد اللَّه تعالى للمملوك أنه في سفره وحضره ، وسرّه وعلنه ، وخبره ومخبره ، شعاره تعطير مجالس الفضلاء ومحافل العلماء بفوائد حضرته ، والفضائل المستفادة من فضلته ، افتخارا بذلك بين الأنام ، وتطريزا لما يأتي به في أثناء الكلام . إذا أنا شرّفت الورى بقصائدى * على طمع شرّفت شعري بذكره * ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * ( 1 ) . لا حرمنا اللَّه معاشر أوليائه موادّ فضائله المتتالية ، ولا أخلانا كافّة عبيده من أياديه المتوالية . اللهمّ رب الأرض المدحيّة ، والسّماوات العليّة ، والبحار المسجّرة ، والرياح المسخرة ، استمع ندائي ، واستجب دعائي ، وبلَّغنّى في معاليه ما نؤمّله ونرتجيه ، بمحمد النبي وصحبه وذويه ! وقد كان المملوك لمّا فارق ذلك الجناب الشّريف ، وانفصل عن مقرّ العزّ اللباب والفضل المنيف ، أراد استعتاب الدّهر الكالح ، واستدرار خلف ( 2 ) الزّمن الغشوم الجامح ، اغترارا بأنّ في الحركة بركة ، والاغتراب داعية الاكتساب ، والمقام على الإقتار ذلّ وانتقام ، وحلس ( 3 ) البيت ، في المحافل سكيت ( 4 ) : وقفت وقوف الشّكّ ثم استمرّ بي * يقيني بأنّ الموت خير من الفقر فودّعت من أهوى وبالقلب ما به * وسرت عن الأوطان في طلب اليسر وباكية للبين قلت لها اصبرى * فللموت خير من حياة على عسر سأكسب مالا أو أموت ببلدة * يقلّ بها فيض الدّموع على قبرى

--> ( 1 ) سورة الحجرات 17 . ( 2 ) الخلف ، بالكسر : حلمة ضرع الناقة ، والكلام على الاستعارة . ( 3 ) حلس البيت : الذي لا يبرح مكانه . وفي ابن خلكان : « جليس » . ( 4 ) السكيت : آخر الحلبة .